ابن قيم الجوزية

49

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

وقال : ( يا أَيُها الذينَ آمَنوا استعينوا بِالصَبرِ والصلاة إنَ اللَهَ مَع الصابِرين ) . ثم ذكر سبحانه إحسانهم إلى غيرهم بالإنفاق عليهم سراً وعلانية فأحسنوا إلى أنفسهم بالصبر والصلاة وإلى غيرهم بالإنفاق عليهم . ثم ذكر حالهم إذا جهل عليهم وأوذوا أنهم لا يقابلون ذلك بمثله بل يدرأون بالحسنة السيئة فيحسنون إلى من يسيء إليهم فقال : ( وَيَدرأَونَ بِالحَسَنةِ السَيئَة ) وقد فسر هذا الدرء بأنهم يدفعون بالذنب الحسنة بعده كما قال تعالى : ( إِن الحَسناتَ يُذهِبنَ السيئات ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أتبع السيئة الحسنة تمحها ) والتحقيق أن الآية تعم النوعين . والمقصود أن هذه الآيات تناولت مقامات الإسلام والايمان كلها اشتملت على فعل المأمور وترك المحظور والصبر على المقدور . وقد ذكر تعالى هذه الأصول الثلاثة في قوله : ( بَلى إِن تصبروا وتتقوا ) وقوله : ( إِنه مَن يتقِ ويَصبِر ) وقوله : ( يا أَيها الَذينَ آمَنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا اللَهَ لعَلَكُم تُفلِحون ) فكل موضع قرن فيه التقوى بالصبر اشتمل على الأمور الثلاثة فان حقيقة التقوى فعل المأمور وترك المحظور .